ابن بسام

642

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

فصل في ذكر الفقيه أبي عمر أحمد بن عيسى الإلبيريّ [ 1 ] : من أفراد الزّهاد - كان - في ذلك الأوان ، ومع ما كان أدير عليه يومئذ من الأمور ، وجعل إليه من التّقديم والتأخير ، فإنّي وجدته خالص / الأدب ، [ محصد السّبب ] ، ذهب بفصوصه وعيونه ، وتلاعب بمنثوره وموزونه ، وتصرّف بين مذاله ومصونه ؛ إلّا أن أكثر ما ألفيت له من المقطوعات والأبيات ، في الزّهد والعظات ، وقد كتبت منها ما هو من شرط هذا المجموع [ 2 ] . أخبرني من لا أردّ خبره عن الفقيه أبي المطرّف الشّعبي [ 3 ] عن شيخه هذا الفقيه أبي عمر بن عيسى ، قال : خاطبت الوزير أبا العبّاس ابن العريف في أرض تعدّى عليّ فيها برقعة منها : أمّا بعد ، وفّقك اللّه لما يرضيه منك عملا ، ويرضيك منه جزاء ؛ فإنّ للدّنيا حرثا والنّاس زارعون ، وكلّ في معاده ، يأكل من حصاده ، وذو الجاه يسأل في الآخرة عن جاهه ، كما يسأل ذو المال عن ماله . وقد أحوجت الأيام إلى جاهك ، وأغنت القناعة عن مالك ، فاتّخذ عندي اليوم يدا ، تجدها عند اللّه مضاعفة غدا ، فالحظ حاجتي بعين يقظتك ، ولا تلحظها بعين سنتك ، فإن للّه تعالى لوحا ضمّنه المقادير كلّها ، يلحظه في كلّ يوم وليلة ثلاثمائة وستّين لحظة ، يحيي بكلّ لحظة ويميت ، ويعزّ ويذلّ ، ويرفع ويضع ، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ؛ واعلم أنّك تلحظ بمثل ما به تلحظ . / وله من أخرى : خاطب بها بعض إخوانه سنة ستّ عشرة وأربعمائة : سمت بك سماء العلم إلى سموّه ، ودنت بك أرض السّكينة إلى دنوّه ، ودار بك فلك المعرفة [ 4 ] في ملكوته ، وغابت بك نجوم الحكمة في جبروته ، وهيّأتك يد القدرة هيئة روحانيّة ، وأحياك

--> [ 1 ] أورد ابن بشكوال ترجمة لأبي عمر أحمد بن يحيى بن عيسى الإلبيريّ الذي يروي عنه أبو المطرف الشعبي ، وقد لقيه أبو المطرف بغرناطة سنة 428 ، وكان أبو عمر يعرف قديما بابن المحتسب ثم عرف بابن عيسى ، وكان أديبا شاعرا متكلما ، له مؤلفات قرأها عليه أبو المطرف ؛ وقال ابن خزرج إن ابن عيسى توفي سنة 429 ( الصلة : 48 ) وترجم له ابن سعيد ( المغرب 2 : 95 ) في قسم البيرة ، ولكن جانبا مما ذكره مختلط بترجمة أبي الوليد غانم ، وهي الترجمة التالية . [ 2 ] ب م : ما هو شرط للكتاب . [ 3 ] أبو المطرف الشعبي هو عبد الرحمن بن قاسم من أهل مالقة ، كان فقيها ذاكرا للمسائل يحفظ المدونة وغيرها ، أخذ عن شيوخ مالقة كأبي أيوب الالبيري وحسين بن موسى الفقيه المشاور وغيرهما ، وشوور ببلده في الأحكام ، توفي سنة 497 ( الصلة : 329 ، وأدباء مالقة : 131 ) . [ 4 ] ب م : العلم .